من ضجيج شوارع طوكيو إلى أزقة كيوتو العتيقة، لطالما اعتزت اليابان بثقافتها المحبوبة والتي تمزج بين الحداثة والتقاليد الشعبية العريقة مما يتيح لها ان تجذب العديد من السياح من كافة أنحاء العالم لعيش تجربة استثنائية تمنح الزوار شعوراً بالألفة نابعاً من ظاهرة حديثة تدعى بسياحة الأنمي والتي ترتبط بالرسوم المتحركة اليابانية الشهيرة بذات الاسم والتي تبرز صور من الحياة الواقعية في قصصها.
ورغم أن هذه الواجهات تتمتع بتاريخ عميق بحد ذاتها، إلا أن شعبية الأنمي المتنامية في السنوات الأخيرة اتت بالكثير من الزوار الراغبين في استكشاف المناطق التي ظهرت في مسلسلاتهم المفضلة. وهذا بدوره أنتج شكلا حديثا من اشكال السياحة مرتبطا بالأنمي. ويشمل هذا التدفق للمسافرين معجبين من العالم العربي، نشأ العديد منهم على مغامرات عدنان والكابتن ماجد والمحقق كونان. ولذلك يسعى السكان المحليون لهذه المناطق بمبادرات متنوعة إلى جذب المسافرين من خلال التعاون مع وسائل الإعلام الثقافية الشعبية، ومما يعزز بناء التبادل الثقافي بين حضارات مختلفة عن طريق هذا النوع الحداثي من السياحة.
وتُعد مدينة موريوكا في شمال محافظة إيواتي إحدى تلك الوجهات الزاخرة بالحياة وهي تقع على بعد ساعتين ونصف من عاصمة طوكيو عبر القطار السريع. موريوكا مدينة خلابة تنام بين الجبال الخضراء، وتشتهر بمنتجاتها الحديدية وأطباق المعكرونة التقليدية المعروفة باسم “وانكو سوبا”. كما تحظى هذه المدينة بسمعة كبيرة بين معجبي الأنمي باعتبارها إحدى المواقع التي ظهرت في سلسلة الكتب والمسلسلات الشهيرة “أسد مارس” للكاتبة أومينو تشيكا، وهي قصة تتمحور حول حياة الشاب كيرياما، وهو عبقري في لعبة “الشوجي”، وهي لعبة لوحية تقليدية شببهة بالشطرنج. وفي عام 2017، حظي الكتاب باقتباس سينمائي نال اعجاب النقاد، حيث تم تصوير مقاطع منه في حدائق نانشوسو الشهيرة في موريوكا.
بني هذا الموقع التاريخي في عام 1885 على يد رجل الأعمال ياسوجورو يوريكاوا، ويبهر المكان الزوار عند الدخول بعوالم سحرية من الرسوم المتحركة. فمن ألواح الـرانما التقليدية فوق الأبواب المزخرفة بدقة إلى الألواح الأرضية الأكثر حداثة والتي تعكس أشعة الشمس من الحديقة الخارجية بما يعمق الشعور بعظمة التاريخ الذي يمتلكه هذا المسكن. هناك الكثير من الكتيبات باللغة الإنجليزية في مختلف أنحاء المبنى يشير إلى ما خضع له هذا العقار من تأثير غربي واسع النطاق. ويستمتع السياح بتناول الحلويات التقليدية والتي تعرف بالـواغاشي من نوافذ الحديقة التي صورت فيها شخصيات مسلسل أسد مارس.
ويعد التمازج بين العمارة التقليدية والثقافة الشعبية تجربة فريدة، وهو أمر تفخر به موريوكا. على بعد مسافة قصيرة من نانشوسو، يقع متجر “شيراساوا سينبيتين”، وهو متجر للحلويات التقليدية يجذب عشاق الأنمي. وتشمل بضاعة المتجر محلا لرقائق أرز “نامبو” يتمتع بتاريخ يمتد لتسعين عاماً، وتعتبر عمارة المتجر الفريدة بتصاميمها الشعبية والتي تم الحفاظ عليها عبر العقود، شاهداً على إرثه العريق. وبالتعاون مع السلاسل الانيمي اليابانية نجح هذا المتجر في اجتذاب ي جيل حديث من الشباب المحليين والأجانب لتقديم منتجات خاصة وحصرية برهن أن القصص الخيالية اليابانية يمكن لها تترك أثرا مباشرا والتحاما بالعالم الواقعي.
بيد أن مدينة موريوكا ليست الوحيدة في توهوكو التي تجتذب عشاق الأنمي من أنحاء العالم. تعد مدينة سنداي، وهي أكبر مدن المنطقة، موطنا للكثير من مؤلفي القصص المشهورين عالميا، مثل هارويتشي فوروداتي مؤلف “هايكيو!!” وهيروهيكو أراكي العبقري خلف “مغامرات جوجو العجيبة”. وبالنسبة للمعجبين لأي من المسلسلين فإن زيارة سنداي في محافظة مياغي تقدم له تجربة فريدة حيث الاحتفاء بالصلة بين المبدعين والمدن التي استنبطوا منها أعمالهم المميزة.
باعتبارها أكبر مدينة في توهوكو، تحتوي سنداي على أنشطة متنوعة بما في ذلك العديد من العلامات التجارية المعروفة عالميا والتي تحظى بشعبية في طوكيو. ولكن السياحة المرتبطة بالأنمي هو ما يعطي سنداي موقعها الفريد في عالم السياحة. فمثلا “موس برجر” وبرغم أنه أحد أشهر مطاعم الوجبات السريعة في اليابان إلا إن فروعه في سنداي هي الوحيدة التي تتعاون مع أنمي هايكيو!! مما يتيح للمعجبين فرصة تناول الطعام مع شخصياتهم المفضلة. وبالمثل هناك الكثير من المتاجر الشهيرة الموجودة في أنحاء اليابان إلا أن شارع التسوق “هابينا ناكاكيتشو” وإدراجه لسلع “هايكيو!!” الخاصة يسهم في جذب الزوار إلى المدينة.
ولا تقتصر صلة الأنمي بسنداي على التسوق فقط بل ان الوجهات السياحية المتنوعة بما في ذلك متحف مدينة سنداي قامت بالاحتفاء الشعبي لمسلسل “هايكيو!!” عبر نصب تماثيل خاصة وإقامة معارض مختلفة لنماذج السلسلة التي لم تعرض من قبل. وتعد هذه العوامل دليلاً على انتشار شعبية الأنمي على مستوى عالمي وعلى مدى صلابة هذه المواقع ورسوخها في الثقافة اليابانية.
وفي محافظة نييغاتا المجاورة لمياغي، يلعب متحف نييغاتا لرسوم المانجا والأنمي دورا هاما لجذب عشاق هذا الفن عبر شبكة من التفاعل مع الوسائط المتحركة. ويتيح المتحف للزوار فرصة الاندماج في عالم الرسوم المتحركة من خلال توفير سبل تعليمية لابتكار أعمالهم الخاصة عبرة مراحل تعليمية مختلفة بدءا من القلم وحتى تسجيل أصوات الشخصيات. ويقع “بيت المانجا” بجوار المتحف في نهاية شارع “ميزوشيما شينجي للمانجا” والذي يضم مكتبة واسعة من القصص المصورة التي تتيح لهواة الجمع فرصة اقتناء أفضل ما في المكتبة. ومن بين هذه الأعمال سلسلة ” بلاد الطير” للمؤلفة كاتو كوتونو والتي ولدت في نييغاتا والتي تدور أحداثها حول معركة مؤثرة بخلفية معمارية مستلهمة من الطراز الإسلامي وهي نموذج للعمل المتجانس الذي يعبرعن تمازج بديع بين الثقافة اليابانية وثقافة الشرق الأوسط يمكن الاستمتاع بهما من خلال منظور هذه السياحة.
إن الأشكال الفنية المتنوعة للأنمي قد أصبحت اليوم مرادفة للتبادل الثقافي والذي غرست بذوره منذ زمن بعيد من خلال مغامرات سندباد ومباريات الكابتن ماجد بحيث أنه ليس من المستغرب أن يرتبط شغف الأنمي بتغير العادات السياحية للمسافرين من الشرق الأوسط مما يظهر أهمية ترابط هذه الأعمال الخيالية بواقعنا الملموس ومن خلال جهود اليابان لفهم المسافر العربي أمكن أن تنمو الروابط بين الشعوب بشكل غير مسبوق.
للراغبين في السفر إلى اليابان زوروا موقع سافر أنمي للمزيد من المعلومات www.safiranime.com
