تعزيز الرفاه النفسي لبناء مجتمع متوازن
الصحة النفسية.. ركيزة لتعزيز الإنتاجية والابتكار في المملكة
الصحة النفسية تعزّز مستوى الإنتاجية والابتكار في المملكة العربية السعودية
إعطاء الأولوية للرفاه النفسي يسهم في بناء مجتمع صحي ومتوازن
في ظل التقدم المستمر للمملكة العربية السعودية نحو تحقيق رؤيتها الطموحة 2030،لم يعد النقاش يدور حول التنمية الوطنيةو تنويع الاقتصاد والتحول الرقمي فحسب، بل امتد ليشمل جانباًصحياً لا يقل أهمية، وهو الرفاه النفسي. ففي عصر يتسم بالتطور التكنولوجي المتسارع وتزايد الضغوط المجتمعية، أصبحت هذه الميزة مطلب لا غنى عنها في عموم المملكة. فالتوازن الداخلي ليس فقط مجرد رفاهية شخصية، بل أصبح عنصراً أساسية لاستدامة الإنتاجية، وبناء مجتمعات متماسكة، وتعزيز القيادة المسؤولة.
القوة الإنتاجية للصحة النفسية
مع رسم المملكة لمسارها نحو مستقبل قائم على المعرفة وأكثر شمولاً، أضحى الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة ملحة يوماً بعد يوم. فالعقول المتوازنة والمرنة تشكّل أسس بيئات العمل المنتجة، والمجتمعات المترابطة، والقيادات ذات الرؤية. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن الاكتئاب والقلق وحدهما يكلّفان الاقتصاد العالمي نحو تريليون دولار سنوياً بسبب فقدان أيام العمل وتراجع الإنتاجية، في حين أن كل دولار يُستثمر في العلاج يمكن أن يحقق عائداً يصل إلى أربعة دولارات من حيث تحسين الصحة والأداء الوظيفي.
وبالنسبة لدولة تشهد تطوراً بارزاً مثل السعودية، بدأت أماكن العمل والجامعات تتبنى بشكل متزايد أهمية مبادرات الرفاهوالصحة. إذ تسهم البرامج الداعمة لريادة الأعمال بين الشباب، ومراكز الابتكار، وتطوير القيادات في تنمية رأس المال البشري، وهذا بحد ذاته يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030، التي ترعىالشباب السعودي وتشرف على تنمية مهاراتهم المهنية، إلى جانب ترسيخ نمط الصحة الفكرية والجسدية ومواكبة بيئة حياة واقتصاد سريعي التغير.
الحكمة القديمة تعاصر العلم الحديث
في الوقت الذي تؤكد البحوث الحديثة الفوائد الملموسة للرفاهية النفسية، فقد تم الاعتراف منذ فترة طويلة بقيمة الهدوء الداخلي في التقاليد الروحية والفلسفية. الممارسات التي تجمع بين اليقظة الذهنية، وتمارين التنفس،والمشاركة المجتمعية، بدأت تحظى اليوم بانتشارعالمي كطرق فعّالة لتحسين التوازن الفردي والجماعي.
وأكد غوروديف سري سري رافي شانكار،مؤسس منظمة “فن العيش” الإنسانية العالمية وأحد أبرز الخبراء و الدعاة في هذاالمجال قائلاً:” من خلال جلسات التأمل، وجهود تمكين الشباب، وبرامج التطوع، تبرهن منظّمته كيف أن السلام الداخلي والتناغم المجتمعي مرتبطان مع بعضهما البعض بشكل جوهري. ويشير بأن السلام مطلوب على ثلاثة مستويات: الصحة ليست مجرد غياب المرض، بل هي التعبير الديناميكي عن الحياة، عن مدى الفرح، والمحبة، والحماس لدى الفرد.” ويضيف: “المجتمع الخالي من العنف، والجسم الخالي من الأمراض، والعقل الخالي من التوتر، والفكر الخالي من الموانع، والذاكرة الخالية من الصدمات، والروح الخالية من الحزن، هو حق فطري لكل فرد.”
ويُصادف هذا العام مرور أكثر من أربعة عقود على تأسيسمؤسسة “فن الحياة”، التي تُكمل 45 عاماً من المبادرات العالمية التي تُركز على الصحة النفسية، وتمكين قدرة المجتمعات على اتباع النهج الصحي، والعمل الإنساني. ويعكس عملها المتواصل إدراكاً عالمياً متزايداً بأن الرفاهية النفسية ليست مجرد مسعى شخصي، بل هي محرك داعم للتقدم المجتمعي والتنمية المستدامة.
وتركز المملكة العربية السعودية على نحوٍ مستدام على الوحدة والقيم المجتمعية الأساسية، بما يتوافق إلى حد كبير مع هذه الفلسفات. لذلك، المبادرات التي تدمج الرفاهية الشخصية مع خدمة الآخرين تنسجم بعمق مع الجانب الثقافي والأهداف الأوسع لرؤية 2030.
بناء مجتمع مرن
إن رؤية 2030 هي أبعد من كونها هدف اقتصادي، بل تحرص كل الحرص على بناء مجتمع مزدهر وغني ثقافياً. في هذا الإطار، تدعم برامج الصحة النفسية هذه الرؤية من خلال تمكين القادة الشباب، وتنمية مهارات اتخاذ القرار الأخلاقي، ودعم المشاركة المجتمعية الهادفة. ويشير تقرير الشباب العالمي 2025إلى أن الأفراد، خصوصاً المهنيين الشباب والطلاب، يستفيدونبشكل ملموس من الممارسات التي تقلل التوتر و تُحسّن من مستوى التفكير الإبداعي.
علاوة على ذلك، تطور البرامج الموجهة نحو الخدمة التعاطف، والمساءلة، والمساهمة المجتمعية، مما يعزز ثقافة المواطنين الواعيين المستعدين لمواجهة التحديات الشخصية والمهنية.
ومع مواصلة المملكة العربية السعودية تحولها إلى مركز معرفي عالمي، فإن الاستثمار في رفاهية شعبها سيكون بنفس أهمية الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا. فالمجتمع الذي يرعى عقولًا هادئة، مركزة، ومرنة يكون أكثر استعدادًا للابتكار، والتعاون، والريادة. من خلال الجمع بين أحدث البحوث والممارسات المجربة ذو الصلة بالتصالح الداخلي والاجتماعي للانسان، تستطيع للمملكة تعزيز الأساس البشري لدعم مسيرة الإنتاجية والرفاهية الشخصية في آنٍ معاً.
المصدر – جريدة الرياض
