لم يكن كثيرون يتوقعون أن يخطف لاعب في الثامنة عشرة الأضواء بهذه القوة في أول ظهور له بكأس العالم، لكن أيوب بوعدي فعل ذلك بجدارة تامة في مواجهة المغرب والبرازيل ضمن افتتاحية مونديال 2026، قدم لاعب وسط ليل أداءً لافتاً عكس نضجاً فنياً وتكتيكياً يفوق سنه بكثير، وكأنه يشارك للمرة العاشرة على هذا المستوى.
منذ الدقائق الأولى، فرض بوعدي نفسه في وسط الملعب بثقة كبيرة. بلغت دقة تمريراته 91%، وأكمل 16 تمريرة ناجحة في الثلث الهجومي، مع 5 افتكاكات و9 مواجهات مباشرة فاز بها. انتهت المباراة بالتعادل 1-1 أمام أحد أعظم المنتخبات، لكن أداء الشاب كان من أبرز نقاط اللقاء.
يا سلام، تألق أيوب لم يأتِ من فراغ. المنتخب المغربي تحول إلى نموذج في صناعة المواهب المستمرة، لا يعتمد على جيل استثنائي كل فترة. من عصر محمد تيمومي ومصطفى حجي، إلى إنجاز نصف النهائي في قطر 2022، حافظت الكرة المغربية على قدرتها في تجديد الدماء وتقديم أسماء جديدة تفرض نفسها أوروبياً. اليوم، يؤكد اللاعبون المغاربة حضورهم القوي في أبرز الأندية: أشرف حكيمي في باريس سان جيرمان، براهيم دياز في ريال مدريد، ومزراوي في مانشستر يونايتد، عز الدين أوناحي، سفيان أمرابط، بلال الخنوس، أمين عدلي، إسماعيل الصيباري، وغيرهم. هذه القائمة الطويلة تعكس تطوراً حقيقياً في المنظومة، من الأكاديميات إلى الكشافة النشيطة.
وتحمل قصة بوعدي طابعاً خاصاً فقد ولد في فرنسا وتدرج في فئاتها السنية، حيث كان كابتن منتخب فرنسا تحت 21، قبل أن يختار تمثيل المغرب قبل أسابيع قليلة. في أول اختبار كبير، لم تظهر عليه أي رهبة أمام كاسيميرو وبرونو غيماريش؛ بل بدا هادئاً في الاستخلاص، دقيقاً في التمرير، وذكياً تحت الضغط. هذا الاختيار يعكس قوة الجذور والثقة في مشروع أسود الأطلس.
هذا التقدم نتيجة عمل منظم شمل تطوير الأكاديميات والاستفادة من الجاليات المغربية في أوروبا. المنتخب يجمع بين المهارة الفنية والانضباط التكتيكي والروح التنافسية العالية، مما يمنحه توازناً رائعاً.
من يتابع أسود الأطلس يدرك أن طموحهم تجاوز المشاركة المشرفة إلى المنافسة الجادة. أيوب بوعدي يمثل بداية واعدة لجيل جديد، واستمراره بهذا المستوى سيجعله نجماً أوروبياً بارزاً قريباً. المغرب اعتاد مفاجأة العالم، وهذه المرة جاءت المفاجأة باسم شاب يحمل آمالاً كبيرة. البطولة في بدايتها، لكن الرسالة واضحة: المواهب مستمرة، والمستقبل مشرق.
عيسى المسمار
المصدر – جريدة الرياض
