قبل سنوات ليست بالبعيدة، ضجّت الأوساط الرياضية بطروحات ومداخلات تمحور هدفها الأول حول تقليص قيمة عقود اللاعبين السعوديين سعياً لإعادة التوازن المالي لمعادلة اللعبة، وحماية الأندية من شبح الديون، وضمان عدالة التنافس (لكن دوام الحال من المحال).
اليوم، وفي ظل الطفرة الكبرى التي تشهدها رياضتنا، استيقظنا على واقع مغاير تماماً يثبت أن الأزمة لم تكن يوماً في أرقام الصفقات، بل كانت تداري خلفها ثغرة أعمق وأخطر بكثير إذ انتقلنا فجأة من مرحلة البحث عن التوازن المالي، إلى صدمة المواجهة مع عقود فلكية توازيها لنشاهد “أبجديات مفقودة” لدى اللاعب المحلي.
هذا الوقت.. لم نعد نناقش سقف الرواتب، بل بات الشارع الرياضي يتفقد ما هو أكبر وأجدر بالالتفات: لدور أساسيات كرة القدم، حيث أصبحنا نرى لاعباً محلياً يتقاضى الملايين، لكنه يفتقد لأبسط مقومات اللعبة -من دقة التمرير، والتحرك الذكي دون كرة، إلى استيعاب الخطط التكتيكية وطرق اللعب الحديثة التي تشكل هوية الكرة العصرية، ولعل الحوكمة والأنظمة قد نجحت بالفعل في ضبط الميزانيات، إلا أن خطط التطوير يبدو أنها تجاوزت الحلقة الأهم في المنظومة، وهي: تأسيس اللاعب نفسه.
هذه المرحلة الانتقالية الحرجة تتطلب فكراً إدارياً وفنياً يواكب حجم الطموح؛ فالعلاج لا يبدأ من فوق خشبة المسرح، بل من كواليس التأسيس.. ومن هنا، تبرز الحاجة الماسة لتمكين دور الكشافين والأكاديميات الرياضية، وتحويل هذا الدور إلى مشروع وطني منظم يرتكز على معايير اختيار دقيقة تخدم اللاعب السعودي فنياً، وبدنياً، وعقلياً منذ نعومة أظفاره، ليصبح المردود الفني داخل الملعب موازياً للقيمة المالية الصارخة.
وفي هذا السياق، لا ينبغي لنا أن ننظر إلى التدفق الهائل لنجوم الكرة العالمية إلى ملاعبنا كعائق أمام الموهبة المحلية، بل على العكس تماماً. إذ يجب أن يشكل تواجد هؤلاء الأجانب قيمة مضافة تنعكس إيجاباً على اللاعب المحلي فالاحتكاك اليومي بمدارس كروية مختلفة يمنح الموهبة السعودية فرصة ذهبية للنضج، واكتساب عادات الاحتراف الحقيقية، والتعلم المباشر للأبجديات التي فقدناها في غياهب العقود المبالغ فيها.
سامر الشاماني
المصدر – جريدة الرياض
