يمثل كأس العالم 2026 محطة استثنائية في تاريخ كرة القدم العالمية، ليس بسبب التطورات التي يشهدها نظام البطولة واتساع قاعدة المشاركة فقط، بل لأنه يعكس تحولاً عميقاً في فلسفة اللعبة من حيث التنافسية والانتشار الجغرافي وتنوع المدارس الكروية. ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى هذا الحدث العالمي باعتباره فرصة للدراسة واستخلاص الدروس، خصوصاً بالنسبة للدول التي تسعى إلى بناء منتخبات قادرة على المنافسة المستدامة وحجز مكانها بين كبار العالم.
ومن أبرز الدروس التي يقدمها المونديال الحالي أهمية الاستقرار الفني في المنتخبات الوطنية، فالمتابع لمسيرة العديد من المنتخبات المتأهلة يلاحظ أن اتحاداتها الكروية منحت أجهزتها الفنية الوقت الكافي للعمل والتطوير، بعيداً عن القرارات المتسرعة والتغييرات المتكررة، وقد انعكس هذا الاستقرار على الانسجام داخل الفرق وتطور الأداء الفني والتكتيكي، وهو ما يؤكد أن بناء المنتخبات القوية يحتاج إلى رؤية طويلة المدى وصبر على المشاريع الفنية، لا إلى حلول مؤقتة تبحث عن نتائج سريعة.
كما يؤكد المونديال أهمية الاحتكاك المستمر وخوض المباريات الدولية الودية أمام مدارس كروية متنوعة، لما لذلك من دور كبير في رفع جاهزية اللاعبين وتطوير شخصية المنتخب وقدرته على المنافسة في مختلف الظروف، فالمنتخبات الناجحة لا تكتفي بالمشاركة في البطولات الرسمية، بل تعمل على بناء برنامج متكامل من المواجهات القوية التي تمنح اللاعبين الخبرة والثقة والقدرة على التعامل مع الضغوط.
وفي الوقت نفسه، تكشف البطولة العلاقة الوثيقة بين قوة المنتخبات الوطنية ومستوى الدوريات المحلية، فالدوريات القوية تمثل البيئة الحقيقية لصناعة اللاعبين وتطويرهم، وتوفر لهم فرص المنافسة المستمرة في مستويات عالية من الأداء، ولذلك فإن أي مشروع لتطوير المنتخبات يبدأ من تطوير المسابقات المحلية ورفع جودة المنافسة فيها، بما ينعكس إيجاباً على مستوى اللاعبين وقدرتهم على تمثيل منتخباتهم بأفضل صورة ممكنة.
وعلى الصعيد التنظيمي، يقدم مونديال 2026 تجربة مختلفة وغير مسبوقة، من خلال استضافة البطولة في أكثر من دولة، وما يرافق ذلك من تحديات لوجستية وتنظيمية واقتصادية كبيرة. كما يعكس حجم الإنفاق الجماهيري والإقبال المتزايد على حضور المباريات التحول الكبير الذي شهدته صناعة كرة القدم خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت البطولة حدثاً عالمياً تتجاوز آثاره الجوانب الرياضية إلى الأبعاد الاقتصادية والسياحية والاستثمارية.
ويحمل المونديال أيضاً حضوراً عربياً لافتاً، في ظل الطموحات الكبيرة التي ترافق المنتخبات العربية للمنافسة وتقديم مستويات تعكس التطور الذي شهدته كرة القدم العربية خلال السنوات الماضية، فالجماهير العربية تتطلع إلى رؤية منتخباتها تحقق نتائج مميزة وتؤكد قدرتها على مقارعة كبار اللعبة على الساحة العالمية.
وفي الختام، فإن كأس العالم 2026 ليس مجرد بطولة لكرة القدم، بل هو مرآة حقيقية للتحولات التي تشهدها اللعبة على مستوى العالم، وهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن النجاح لم يعد نتاج لحظة عابرة أو صدفة مؤقتة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، واستقرار فني، واستثمار مستمر في تطوير المواهب والبنية الرياضية. تلك هي المعادلة التي تصنع الفارق، وهي الطريق الأقصر نحو بناء منتخبات قادرة على المنافسة وتحقيق الإنجازات في المستقبل.
المونديال يقدم تجربة مختلفة وغير مسبوقة
عبدالكريم بن دهام الدهام – عرعر
المصدر – جريدة الرياض
