صعود المغرب إلى نصف نهائي 2022 لم يكن معجزة فجائية، بل نتيجة سنوات من البناء الهادئ: تطوير القواعد، جذب المواهب المغتربة، وصناعة هوية تقوم على الصلابة والتنظيم. في قطر، تصدر مجموعته بفوزين على بلجيكا وكندا، ثم أطاح بإسبانيا بركلات ترجيح أسطورية، وأقصى البرتغال بهدف رأسي من النصيري هز الملاعب، قبل أن يواجه فرنسا ويختتم مشواره أمام كرواتيا. كان ذلك تتويجاً لمسيرة طويلة، لا بداية من الصفر.
الأجمل في القصة هو تدفق المواهب الذي لا يتوقف. ففي 2022 تألق زياش وبوفال والنصيري، واليوم يبرز بوعدي وصيباري ودياز. هذا التجدد المستمر يؤكد وجود خزانة مواهب غنية تنشط في أعرق الدوريات العالمية. الاحتكاك اليومي مع النجوم يصقل المهارات، لكن ما يحول هؤلاء اللاعبين إلى منافس عنيد لا يستسلم بسهولة هو الروح الجماعية والانضباط التكتيكي.
كما أن نجاح المغرب لم يُبنَ على جيل واحد فقط، بل على مشروع قادر على إنتاج أسماء جديدة باستمرار، ما يجعل ما تحقق في السنوات الأخيرة نتيجة طبيعية لمسار طويل من التطوير وليس مجرد طفرة عابرة.
أكبر إنجاز حققه المغرب ليس بلوغ نصف النهائي فحسب، بل قتل عقدة الخوف من الكبار. اللاعبون الآن يدخلون المباريات وهم يؤمنون بأن الذهاب بعيداً في البطولات أصبح مسألة إعداد وثقة، لا صدفة أو معجزة. هذه الذهنية تختلف جذرياً عن واقع معظم المنتخبات العربية الأخرى، حيث يُقابل أي تأهل بالدهشة والشك في القدرة على التكرار. المغرب أصبح منافساً يُحسب له حساب، وهذا التحول الذهني هو السر الذي يستحق الدراسة بعمق.
وفي مونديال 2026 يظهر ذلك بوضوح. قدم نتائج قوية أمام البرازيل وإسكتلندا، مما جعله يقترب من تصدر مجموعته. لم يعد الفريق يشارك فقط ليترك انطباعاً مشرفاً؛ فأي خروج مبكر سيُعد إخفاقاً قياساً بحجم الأسماء والخبرات المتوفرة، ومع ارتفاع سقف التوقعات.
الدروس واضحة للمنتخبات العربية. فكما استثمرت اليابان وكوريا الجنوبية طويلاً في بنيتها حتى أصبح حضورها في كأس العالم أمراً معتاداً، يحتاج العرب إلى رؤية بعيدة المدى تجمع بين اللاعبين الذين ينشطون في كبرى الدوريات والشباب الذين يتطورون داخل الأكاديميات المحلية.
المغرب اليوم أمام تحدٍ حقيقي: الحفاظ على هذا المستوى. تعزيز الدوري المحلي، رعاية المواهب الشابة، وتطوير المدربين أمور أساسية حتى تتحول الثقة المكتسبة إلى إرث دائم. قريباً، لن يُفاجئ أحد بوصول المغرب إلى أدوار متقدمة. هذا هو الإرث الحقيقي لـ«الأسود»: التحول من ظاهرة تُدهش الجماهير إلى قوة دائمة تُحسب حسابها في كل بطولة.
منتخب المغرب ظهر بمستوى كبير
المصدر – جريدة الرياض
